اعترافات تُدين وتحركات تُربك.. فرنسا في اختبار التناقض أمام الجزائر
- بواسطة المصدر
- في 06 أفريل 2026
- 1005 قراءة
الجزائر/ محمد ح
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الفاتيكان يومي 9 و10 أفريل، مباشرة قبل الزيارة الهامة التي سيقوم بها البابا فرنسيس إلى الجزائر يومي 12 و13 من هذا الشهر، في توقيت يثير أكثر من علامة استفهام حول خلفيات التحرك الفرنسي ودلالاته السياسية.
فبعيدا عن الطابع البروتوكولي الذي يُروَّج له، يرى متابعون أن هذا التزامن يعكس مسعى فرنسيا محسوبا للتأثير على ملف داخلي جزائري حساس، ويتعلق الأمر بملف الصحفي الفرنسي كريستوف غليز.
هذا التداخل الزمني لا يبدو معزولا عن محاولات ضغط غير مباشر، قد تمتد إلى توظيف قنوات دينية لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما يُنظر إليه من زاوية جزائرية كمساس واضح بمبدأ السيادة الوطنية واستقلالية القرار القضائي.
وفي هذا السياق، تعود قضية غليز إلى الواجهة، ليس فقط كملف إعلامي، بل كقضية ذات أبعاد قانونية وأمنية معقدة. فالمعني دخل الجزائر بتأشيرة سياحية، في حين كان يمارس نشاطا صحفيا دون اعتماد رسمي، في خرق صريح للقوانين المنظمة لمهنة الصحافة في البلاد.
غير أن خطورة القضية لا تقف عند هذا الحد، إذ تشير المعطيات إلى أنه كان على صلة مباشرة بـالمسمى أكسل بلعباسي، أحد أبرز قيادات حركة “الماك” المصنفة تنظيما إرهابيا في الجزائر. وبناء على هذه العلاقة، توجّه الصحفي غليز إلى منطقة القبائل لإعداد وثائقي حول ما يسمى “المنتخب الوطني القبائلي”، وهو طرح يتجاوز الإطار الرياضي ليحمل دلالات سياسية تمس بالوحدة الوطنية.
وخلال تواجده هناك، شرع في إقامة اتصالات ميدانية مع أشخاص قُدموا على أنهم مرتبطون بهذا المشروع، في خطوة عملية للشروع في إنجاز الوثائقي. غير أن هذه التحركات لم تمر دون إثارة الشكوك، حيث قام بعض من تواصل معهم بإبلاغ السلطات، التي تدخلت وأوقفت المعني، لتباشر تحقيقا معمقا كشف أبعادا أكثر حساسية في القضية.
وخلال مجريات التحقيق، أدلى الصحفي غليز باعترافات وُصفت بالحاسمة، حيث أقرّ بتواصله المباشر والمستمر مع الارهابي أكسل بلعباسي، مؤكدا أنه تلقى توجيهات تتعلق بمضمون الوثائقي وأهدافه. كما اعترف بأنه كان على علم بطبيعة المشروع وحساسيته السياسية، خاصة ارتباطه بطرح ذي دلالات انفصالية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أقرّ كذلك بأنه تعمّد إخفاء صفته كصحفي عند دخوله الجزائر، مستعملا غطاء السياحية لتفادي إجراءات الاعتماد القانونية. كما أكد أنه باشر فعليا خطوات إعداد الوثائقي، من خلال اتصالات وترتيبات ميدانية مع أطراف محلية.
هذه الاعترافات، المتطابقة مع المعطيات الميدانية، شكّلت أساسا قانونيا واضحا اعتمد عليه القضاء في إصدار حكمه، ما يعكس أن القضية لم تُبنَ على تأويلات أو ضغوط، بل على وقائع مثبتة وأقوال صريحة صادرة عن المعني نفسه.
في المقابل، تطرح هذه القضية تساؤلات عميقة حول الموقف الفرنسي، خاصة في ظل الدعوات المتكررة للتدخل. فهل كانت باريس ستتعامل بالمرونة نفسها لو تعلق الأمر بمواطن أجنبي خالف قوانينها، ومارس نشاطا إعلاميا غير مرخص مرتبطا بقضايا حساسة؟ أم أن المعايير تختلف باختلاف الموقع والمصلحة؟
في المحصلة، يتجاوز ملف كريستوف غليز كونه قضية فردية، ليصبح اختبارا حقيقيا لطبيعة العلاقات الجزائرية-الفرنسية، ولمدى احترام مبدأ السيادة في الممارسة الفعلية، بعيدا عن الشعارات.
وبين الاعترافات القضائية والتحركات الدبلوماسية، يبقى الثابت الوحيد هو تمسك الجزائر بتطبيق قوانينها دون تنازل،في هذا السياق، يصبح من الصعب اختزال القضية في بعدها الإعلامي أو تقديمها كمسألة “حرية صحافة”، في حين أن الوقائع تشير إلى خرق قانوني واضح وتداخل مع قضايا مصنفة ضمن الأمن القومي.
كما يطرح هذا الملف تساؤلات مشروعة حول ازدواجية المعايير، إذ يُطرح بقوة: كيف سيكون موقف فرنسا لو وُضعَت في ظرف مماثل؟ إن التحركات الفرنسية، بما في ذلك توقيت زيارة الفاتيكان، تعكس محاولة للبحث عن قنوات تأثير موازية، وهو ما يُفهم في الجزائر على أنه ضغط غير مباشر لا ينسجم مع مبدأ احترام السيادة الوطنية.
وفي المقابل، تبدو الجزائر متمسكة بتطبيق قوانينها واستقلالية قرارها القضائي، دون الانجرار وراء أي ضغوط خارجية.
في المحصلة، تتحول هذه القضية إلى اختبار حقيقي للعلاقات الجزائرية-الفرنسية، وإلى مرآة تعكس التباين بين الخطاب والممارسة في السياسة الدولية، حيث تبقى المصالح في كثير من الأحيان هي العامل الحاسم، مهما رُفعت من شعارات.



